Yahoo!

خطب جمعة

يقدمها : مؤمن أمين


حاجة البشرية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

كتبها moemen ، في 2 أبريل 2009 الساعة: 22:12 م

حاجة البشرية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
 

مرت بالبشرية أحوال غابت فيها الثوابت الشرعية، وانعدمت الضوابط الأخلاقية، وانطلقت الشهوات، وضعف منطق العقل، واستأسد منطق الأنياب والعضلات. فازداد الفقير فقرا. والضعيف ضعفا، كما ازداد الأغنياء غنى والأقوياء قوة. ولم يعد يسمع في الأرض إلا منطق المخلب والناب.

أجد هذا في الأرض، بعد أن أصيب دين المسيح بحادثة خطيرة أعجزته عن أن يقدم للأرض منهجا، ويعلى فيها شريعة. ويحمل الناس على أمر السماء.

ففي سنة 305 م حدثت حادثة عظيمة، وهى اعتلاء النصرانية عرش رومية الوثنية. وكان ذلك بجلوس قسطنطين على سرير الأباطرة سنة 305م؛ فانتصرت فيه النصرانية على الوثنية، ونالت فجأة ما لم تكن تحلم به من ملك عريض، ودولة مترامية الأطراف، وكلمة لا تعلوها كلمة. ولما كان قسطنطين إنما توصل إلى الملك على جسر من أشلاء النصارى وأنهار من دمائهم التي أريقت في الذب عنه والنصر له. عرف لهم الجميل وبذل لهم وجهه، ووطأ لهم أكنافه وقلدهم مفاتيح ملكه.

ولكن انتصر النصارى في ساحة القتال وانهزموا في معترك الأديان، ربحوا ملكا عظيما وخسروا دينا جليلا؛ لأن الوثنية الرومية مسخت دين المسيح، ومسخه أهله، وكان أكثر مسخا له وتحريفا هو قسطنطين الكبير حامى ذمار النصرانية ورافع لوائها([1]).

يقول ول ديوراتت في كتابه قصة الحضارة – المجلد السابع:

«لما أن فتحت المسيحية رومة، انتقل إلى الدين الجديد أبناء الدين الوثني القديم، فانتقل إليه لقب الحبر الأعظم Pontif وعبادة الأم العظمى وعدد لا يحصى من الأرباب التي بثت الراحة والطمأنينة في النفوس والإحساس بوجود كائنات في كل مكان لا تدركها الحواس. . نقول أن هذه كلها انتقلت إلى المسيحية كما ينتقل دم الأم إلى ولدها. وأسرت رومية الأسيرة فاتحها»([2]). وإذا بهذا الدين الذي جاء منقذا يتحول غريقا، وخاب أمل أهل الأرض في النصرانية، التي تخلت عن رسالتها وتنازلت عن ثوابتها في توحيد الله ورضيت بالوثنية بديلا. وتحول رجال الكنيسة إلى رموز معزولة عن الحياة بعد أن شاعت بينهم المقولة المعروفة: «إعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله». وظهر جليا بأن قيصر هو المسيطر على كل شئ، وأن الله عند الوثنية لم يعد له أدنى سلطان على حياة الناس. وهكذا تحولت الدولة الرومية إلى قوة وثنية جبارة. وزاد خطرها عندما ملكت زمام الأرض بانتصارها على الدولة الفارسية الوثنية المجوسية. التي كانت تشكل نوعا من التوازن بين القوى.

ولم تكن فارس بعبادتها للنار أسعد حظا، من وثنية الروم بل كانت أشقى وأنكى، فالنار لا توحي إلى عبادها شريعة، ولا ترسل رسولا، ولا تعاقب العصاة والمجرمين. وبهذا ترك الناس لأهوائهم شأن المشركين في كل زمان ومكان. وهكذا حُرمت الأمة الفارسية دينا عميقا جامعا يربي النفس ويهذب الخلق ويقمع الشهوات ويحفز على فعل الخيرات. ويكون دستورا للأمة ونظاما للحياة.

وظهر واضحا أن البشرية فقدت ربانها. وغاب عنها النور الذي يهدى، والحادي الذي يرشد إلى الطريق. وأصبحت البشرية تنشد ربانها وتنتظر منقذها، إلى أن أذن الله للأرض بالسعادة فبعث إليها محمدًا صلى الله عليه وسلم فكانت بعثته فتحا للأرض كلها. وإنقاذا للبشرية بأسرها. ورحمة للعالمين ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء: 107).

يقول د. بيرون في المؤتمر الدولي الخامس للعلوم التاريخية الذي عقد بمدينة أوسلو في أغسطس سنة 1929م:

«إن ظهور الإسلام كان خاتمة العصور القديمة، وبداية إيقاظ الإنسانية في أول عصورها المتوسطة؛ حيث بدأت أوروبا الغربية مدنية جديدة وحياة جديدة يجب معها اعتبار هذا الحادث العظيم هو بداية عصر جديد».

ويقول الأستاذ أبو الحسن الندوي مصورا حالة المجتمع البشرى عند بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم «بعث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم والعالم بناء أصيب بزلزال شديد هزه هزا عنيفا؛ فإذا كل شئ فيه في غير محله، نظر إلى العالم بعين الأنبياء فرأى إنسانا قد هانت عليه إنسانيته، رآه يسجد للحجر والشجر، وكل ما لا يملك لنفسه النفع والضرر. رأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان، والخلاعة والفجور إلى حد الاستهتار، وتعاطى الربا إلى حد اغتصاب واستلاب الأموال. ورأى الطمع وشهوة المال إلى حد الجشع والنهامة، ورأى القسوة والظلم إلى حد وأد البنات وقتل الأولاد.

رأى ملوكا اتخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا. ورأى أحبارا ورهبانا أصبحوا أربابا من دون الله، يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله».

«رأى المواهب البشرية ضائعة أو زائفة لم ينتفع بها ولم توجه التوجيه الصحيح، فعادت وبالا على أصحابها وعلى الإنسانية. رأى الشجاعة تحولت همجية وفتكا. والجود تبذيرا وإسرافا. والأنفة حمية جاهلية. والذكاء مكر وخديعة، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات والتفنن في الشهوات».

ولأنه كان رسولا نبيا ولم يكن مصلحا اجتماعيا أو حاكما سياسيا؛ فقد هدى بإذن ربه إلى مفتاح قفل الطبيعة البشرية. فلم يشأ أن يعلنها دعوة سياسية.

ولا قومية عربية؛ لأنه لم يبعث لينسخ باطلا بباطل، ويبدل عدوانا بعدوان فيخرج الناس من حكم الفرس والرومان إلى حكم عدنان وقحطان. وإنما أرسل إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. ليهديهم بإذن ربهم إلى صراط مستقيم.

قد علم صلوات الله وسلامه عليه أن القلب هو سيد الجوارح. وأدرك بهداية الله له أن هداية الإنسانية تبدأ من قلبه، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَلا وَإِنَّ فِي الإِنْسَانِ‏ ‏مُضْغَةً ‏ ‏إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ»([3]).

والقلب المقصود هنا هو باطن الإنسان وكيانه الروحى. هو وجدانه وعقله ومشاعره وإحساسه، ولهذا فقد بدأ معهم بالقرآن المكي يرقق به مشاعرهم ويحيى به ضمائرهم. ويهز به كيانهم. ويعمق به يقينهم وإيمانهم.

وكانت البداية في بيت النبوة؛ حيث تلقى الحبيب صلى الله عليه وسلم أمر الله له بالقراءة إيذانا باتصال السماء بالأرض. وبداية لحمل نور الله إلى الناس( يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ )(15)

(َهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (16) (سورة المائدة: 15، 16)

ونزلت آيات الله تترى، واستيقظت القلوب والأرواح على مشاهد القيامة ومصارع المكذبين وجزاء المؤمنين الموحدين، فكانت للمؤمنين بشرى وللكافرين إنذارا وتحذيرًا.

إن أعظم ما يحرص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته هو استيعاب قلوب من يدعوهم، وأن يطمئن إلى صحة هذه القلوب ويقظتها. وأنها مستعدة لأن تنفعل لسماع القرآن انفعالا صادقا عميقا. ولم يعجله عن هذا الهدف شئ، مهما بدا هذا الشئ عظيما وخطيرا. .

فرباهم على قيام الليل وقراءة القرآن وتذوق معانيه والتعرض لنفحاته ولفحاته. وتبشيره وإنذاره. وبين الخوف والرجاء، والانشراح والبكاء. ومشاهد الجنة ومشاهد النار. عاشت قلوب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنها ترى القيامة رأى العين، لقد كانوا جميعا مثل قلب حارثة – الذي سأله نبيه وصفيه صلى الله عليه وسلم: «كيف أصبحت يا حارثة؟، فقال حارثة: أصبحت مؤمنا بالله حقا. قال: ياحارثة انظر ما تقول، وإن لكل قول حقيقة، فما هي حقيقة إيمانك؟

فيقول حارثة: عزفت نفسي عند الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وإلى أهل النار يتضاغون فيها».

ويسر النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى من ثمرة تربيته المباركة، فيقول مؤيدًا: «يا حارثة عرفت فالزم»([4]).

إنه اليقين الذي جعل الجنة تعيش في ضمائرهم وجعل صورة جهنم لا تغيب عن خواطرهم. وهذا اليقين هو الذي جعل الرجل منهم ينفر لملاقاة أعداء الله. ويجد لذته وسعادته في شدة اللأواء. وعظم البلاء. وإذا حيل بينه وبين ساحة الجهاد بحائل من فقر أو عرض أو مرض ( وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) (التوبة: 92).

إنه اليقين الذي جعل رجلا مثل عمير بن الحمام يستطول الحياة حتى يسيغ تمرات في فمه ويقول عندما بشره الرسول بالجنة إن قتل مقبلا غير مدبر: إن حياة حتى أسيغها لطويلة، ثم اندفع يقاتل أعداء الله حتى قتل.

وهو اليقين الذي جعل المرأة تقول حين بلغها نبأ قتل زوجها وأولادها وأخيها. «كل خطب دون رسول الله يهونً».

وهو اليقين الذي جعل صهيبا ينزل عن ماله وبيته وأهله ليخلص بنفسه مهاجرا إلى الله.

تلك كانت حياة الأرض عند بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذه كانت بدايته. دين يتعامل مع الفطرة السوية. مقدرا ضعفها ومعترفا بقصورها وحاجتها إلى التهذيب والتأديب. مرتقيا بها - من حيث هي – إلى مدارج الجمال والكمال.

يقول د. روبرت بير جوزيف، أستاذ الفلسفة بالجامعات الفرنسية الذي ألف أكثر من عشرين كتابا في الفلسفة والتوحيد:

«اعتنقت الإسلام؛ لأنه الدين الوحيد الذي يجد الإنسان فيه روحه وأشواقه ومستقبله، وهو دين المعرفة؛ لأنه يدعو معتنقيه إلى التزود بالعلم والعمل به. ولا غرو في ذلك؛ فإن أول آية من القرآن الكريم (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) العلق(1) هي التي جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد».

ويقول الأستاذ تريتون استاذ الدراسات الشرقية الأفريقية بجامعة لندن:

«إن الإسلام يعطى كلا من الدنيا والآخرة حقهما، وفى وسع المسلم أن يعيد النظر في حياته دون أن ينقطع عن الماضى، وله أن يراجع أحكام المعاملات والشريعة؛ لأن باب الاجتهاد لا يزال مفتوحًا. والمسلمون يجتهدون اليوم ليثبتوا أن الإنسانية الصادقة والآداب القديمة والعقل السليم تُلغى أرفع تعبيراتها في شريعة الإسلام وأحكامه، ويسلمون على أن واقعهم اليوم ليس على ما يحبون. وأن الإصلاح ضرورة لا محيص عنها، لكنهم يصرون على أن الإسلام دون غيره هو الذي يصلح لمطالب النوع البشرى».

ويقول المستشرق الإنجليزي هاملتون. جب:

«إن الإسلام ما زال في قدرته أن يقدم للإنسانية خدمة سامية جليلة، فليست هناك أية هيئة سواه يمكن أن تنجح مثله نجاحا باهرًا في تأليف الأجناس البشرية المتنافرة في جبهة واحدة أساسها المساواة. . فالجامعة الإسلامية العظمى في أفريقيا والهند وأندونيسيا. بل وتلك الجامعة الإسلامية الصغيرة في الصين أو في اليابان، لتبين كلها أن الإسلام ما زال له القدرة على أن يسيطر كليا على أمثال هذه العناصر المختلفة الأجناس والطبقات، فإذا ما وضعت منازعات دول الشرق والغرب موضع الدرس؛ فلابد من الالتجاء إلى الإسلام لحسم النزاع»([5]).

ونختم هذا المقال بهذه الشهادة التي يقدمها الكاتب الألماني (ياول شميتز) في كتابه: (الإسلام: قوة الغد العالمية) والذي كتبه في الثلاثينات من القرن الماضي، ينبه قومه إلى مواطن القوة في الإسلام فيقول: «سيعيد التاريخ نفسه مبتدئا من الشرق، عودا على بدء من المنطقة التي قامت فيها القوة العالمية في الصدر الأول للإسلام، وستظهر هذه القوة التي تظهر في تماسك الإسلام ووحدته العسكرية. وستثبت هذه القوة وجودها إذا ما أدرك المسلمون كيفية استخراجها والاستفادة منها»([6]).

إن الإسلام بما له من خصائص وسمات تفرد بها عن سائر الأديان والمذاهب والملل. هو المرشح وحده لقيادة الأرض. دون أن يشعر واحد من أهل الأرض جميعا أن الإسلام طامع فيه أو معتد عليه أو يبغى من ورثته نفعا دنيويا في أية صورة من الصور؛ لأن الإسلام منهج الخالق إلى جميع المخلوقين نزل إليهم ليسعدوا وينعموا ولتدوم فيهم كلمة الأمان والرضا والسلام.

(الـر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ) أبراهيم(1) ( صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ) (الشورى: 53).

كيف ننتصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟

لم أستغرب لما صدر عن الصحافة الأوربية من إساءات لمقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بل لا أبالغ إذا قلت إن استغرابي وعجبي كان من ردود الأفعال التي صدرت عن المسلمين!.

فقد كشفت عن قدر كبير من السذاجة والغفلة وسوء التقدير، وكأنما القوم كانوا يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم واليوم يكرهونه. أو أنهم كانوا يقدرون مشاعر المسلمين واليوم يهينونها. وكأن أمة الإسلام نسيت قول ربها سبحانه وتعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ) (البقرة: 105)، وكأنهم لم يقرؤوا في يوم من الأيام قوله سبحانه: ( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (البقرة: 109)، أو أنهم لم يسمعوا قط قول ربهم سبحانه:( وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) (البقرة: 120).

وإذا كانت الآية الأولى قد أظهرت عمق العداوة التي يكنها أهل الكتاب لهذه الأمة، وكشفت عن خبيئة نفوسهم نحو الإسلام ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، ونبهتنا إلى ما يضمرونه من حقد، وما تنطوي عليه صدورهم من عداوة وكراهية وبغضاء، فإن الآية الثانية قد بينت العلة وراء هذا الحقد وهذه الكراهية، وفسرت ما يقع منهم من عدوان جهنمي همجي كافر. إن هذا كله من أجل إيماننا بهذا الدين، وسعادتنا بهذا النبي الكريم، فهم يحسدوننا على اصطفاء الله لنا لنكون خلفاءه في أرضه، وأمناءه على خلقه، والمصطفون لوراثة الأرض من بعد أن ائتمنهم على قيادة الأرض فخانوا، واستحفظهم على وحيه فحرفوه وبدلوه، وأرسل إليهم الرسل فقتلوهم وعذبوهم وأظهر لهم المعجزات فجحدوا بها، وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم. وأخذ عليهم الميثاق ألا يعبدوا إلا الله فأشركوا به وقالوا على الله قولا عظيما.

وكلما رأوا مظاهر عودة المسلمين لإسلامهم، واعتزازهم بدينهم اشتعلت البغضاء في قلوبهم؛ لأن توحيدنا يذكرهم بشركهم، وإيماننا يذكرهم بكفرهم، وطهرنا يذكرهم بنجسهم وانحلالهم. والذي يزيدهم حقدا وحسدا؛ هو شعورهم بالعجز أمام سقوطهم وانحرافهم، فهم يعلمون أنهم ليسوا على شيء؛ لأنهم لم يقيموا في أنفسهم شيئا من أحكام دينهم، ولا حفظوا شيئا من قداسة كتبهم، وإذا حاولوا العودة فلن يجدوا نصوصا محفوظة، ولا وحيا ثابتا ولا منهاجا قويما. ولقد أطلع الله سبحانه وتعالى نبيه على هذه الحقيقة بقوله تعالى :( قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ) (68)المائدة، فهل أقام أهل الكتاب شيئا من أحكام التوراة أو الإنجيل، وهم الذين قتلوا الأنبياء وحرفوا الكتب ونقضوا الميثاق وسفكوا الدماء، وتطاولوا على الله، وقالوا:( قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ)(181)آل عمران وقد حكم الله بكفرهم بقوله:( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) المائدة( 73)

لقد يئس هؤلاء المجرمون من الهداية، وأيقنوا بالبوار وسوء القرار، فأخذوا على عاتقهم هدم الإسلام بكل وسيلة، ومن كل طريق. وهذا ما أرشدنا الله سبحانه وتعالى إليه بقوله:( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوَهُمْ وَاقْتُلُوَهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً) (النساء: 89).

وهم في سبيل تحقيق هذه الأمنية لا يترددون في أن يجندوا الجنود، ويجيشوا الجيوش، ويحشدوا كل ما لديهم من قوة؛ ليصلوا إلى مرادهم. وما نراه اليوم في أفغانستان وفي العراق، وفي فلسطين أوضح شاهد على هذا الحقد الدفين، وما كنا بحاجة إلى إثبات هذه الحقيقة لو أننا وعينا عن ربنا قوله الحكيم:( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

وصف الجنة من الكتاب والسنة و الطريق الموصل إليها

كتبها moemen ، في 3 أبريل 2009 الساعة: 07:13 ص

المقدمة

الحمد لله ،والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

عجائب الخيرات,مالا عين رأت,ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر- ليشمر عن ساعد الجد المؤمنون طمعاً في نعيمه وعطائه, ويرجع إلى سبيله الغافلون رغبة في رحمته و جنانه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى

(أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر) واقرؤوا إن شئتم:

(فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة 17] (البخاري ومسلم)

وتعال معي ,تعال معي..لنوقظ.. قلباًً غافلاً بلمسة باردة هادئة.. من التفكر في آلاء الله

ونعمه في جنات عدن. تعال معي.. نتعرف على نساء الجنة.. ونلمح شيئا ًمن جمالهن وحسنهن, ورقتهن وحور عيونهن.. فرُبَّ متفكر في حور الجنة صرعه تفكيره..فلم يزل يتقلب بين منازل التوبة والتقرب إلى الله حتى لاقاه الله بهن في نعيمه المقيم وأنعم به من لقى.

 

هل عرفت نعيم الجنة

لقد عرفنا الله الجنة.. ترغيباً فيها.. وبين لنا بعضاً من نعيمها وأخفى عنا بعضاً, زيادة في الترغيب والتشويق. لذلك فإن نعيم الجنة مهما وصف, لا تدركه العقول لأن فيها من الخير مالا يخطر على بال ولا يعرفه أحد بحال. فهل عرفت الجنة؟!

إنها دار خلود وبقاء.. لا فيها بأس ولا شقاء, ولا أحزان ولا بكاء.. لا تنقضي لذاتها ولا تنتهي مسراتها.. كل ما فيها يذهل العقل ويسحر الفكر.. ويسكر الرشد.. ويصرع اللب..

هي جنة طابت وطاب نعيمها

فنعيمها باق وليس بفان

هي نور يتلألأ, وريحانة تهتز.وقصر مشيد ونهر مطرد..وفاكهة نضيجة.. وزوجة حسناء جميلة.. وحلل كثيرة في مقام أبداً, في حبرة ونضرة,في دور عالية سليمة بهية تتراءى لأهلها كما يتراءى الكوكب الدري الغائر في الأفق.

عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال:" قلت يا رسول الله مم خلق الخلق؟ قال: من الماء قلت ما بناء الجنة؟ قال: لبنة من الفضة, ولبنة من ذهب, ملاطها [الملاط: الطين ]المسك الأذفر, وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت, وتربتها, الزعفران, من دخلها ينعم لا يبأس, ويخلد لا يموت, لا تبلى ثيابهم, ولا يفنى شبابهم " (الترمذي و أحمد و صححه الألباني )

فيا لها من لذة: وياله من نعيم:( لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [ آل عمران]

وجنات عدن زخرفت ثم أزلفت

لقوم على التقوى دواماً تبتلوا

بها كل ما تهوى النفوس وتشتهي

وقرة عين ليـس عنها تحول

أخي.. هل يعقل أن يدرك عقل المرء هذا النعيم ثم يزهد فيه؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ هذا داعي الخير يناديك.. ويحرك فيك نشاط التنافس والمسارعة..( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [ آل عمران 133 ] فسارع إلى المغفرة والملك العظيم.فقد دعاك البشير..

يا طالب الدنيا الدنية إنــها

شرك الردى وقرارة الأقذار

دار متى ما اضحكت في يومها

أبكــت غداً تبا ًلها من دار

فاللبيب من باع الدنيا بالآخرة. قال تعالى:( وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى) [ الضحى4] والكيس من صنع السعادة بيده فبحث عن طريق الجنة فلسلكه وإنما طريقها توحيد الله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم,وأداء الفرائض والواجبات والبعد عن الفواحش والكبائر والمحرمات والتقرب إلى الله بالنوافل وصالح الطاعات, والإنابة والتوبة إلى الله في الظلمات والخلوات والاستغفار من الخطايا والزلات والتنور بنور العلم وسليم الفهم والعمل بذلك وملازمة الإخلاص والصدق مع الله,فإن السالك لهذا الطريق لا يخيب ظنه ولا يعرقل سيره ولا يضيع سعيه:قال تعالى:( وَالْعَصْرِ *إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ *إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [ العصر ]

قال الناظم

تدري أخي ما طريق الجنة

طريقه القرآن ثم السنة

أبواب الجنة

أبوابها : تعال- أخي- نطرق أبواب الجنة لنسيح بفكرنا في ملكوت الله فيها وما أودع فيها من بديع الأسرار لعباده الأخيار. قال تعالى :( حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ( [الزمر73 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء,ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" ( مسلم ) ، وكيف لا يكون لها أبواب كثيرة: وهي التي عرضها السماء والأرض قال تعالى:) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ) )الحديد 21)

فهي جنة عالية غالية عظيمة ذات أبواب واسعة عظيمة تليق بسعتها وتدل على علو منزلتها وقدرها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة, يزاحم عليها كازدحام الإبل وردت لخمس ظما" (السلسلة الصحيحة للألباني)

ولقد جعل الله لكل باب أهلاً, فهناك باب للتوابين, وباب للمتصدقين وباب للمجاهدين وباب للكاظمين الغيظ وباب للصائمين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله هذا خير.فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة, ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد, ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة, ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان, فقال أبو بكر: يا رسول الله, ما على أحد من هذه الأبواب من ضرورة, فهل يدعى أحد من هذه الأبواب؟ قال: نعم ! وأرجو أن تكون منهم" ( البخاري و مسلم ) ، فهلا اخترت أخي الحبيب. باباً من هذه الأبواب العظيمة؟ وهلا نسجت مفتاحها بجميل الطاعة وزاد التقوى؟

فبادر إذا ما دام في العمر فســـــحة

وعدلك مقبــول وصرفك قيــم

وجد وسارع واغتــنم زمن الصبا

ففي زمن الإمكان تســـعى وتغنم

وسر مسرعاً فالموت خلفك مســرع

وهيـهات ما منـــه مفر ومهزم

واعلم أن مفتاح الجنة إنما هو توحيد الله جل وعلا وتحقيق لا إله إلا الله, فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة". وسئل الحسن البصري:" أن ناسا ًيقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فقال من قالها وأدى حقها وفرضها".

فتوحيد الله مفتاح الجنة,وأسنان ذلك المفتاح هي الأعمال الصالحة كأداء الفرائض والقيام بالواجبات والنوافل وسائر القربات.فاعمل –يا عبد الله – فمادة المفتاح بين يديك ومهارة صناعته قد فصلت لك أيما تفصيل فإن رغبت عن ذلك فلم نفسك يوم العرض على الله.

نسأل الله لك ولنا حسن الخاتمة.

بناء الجنة وتربتها

توجد على وجه هذه البسيطة أبنية فخمة وقصور مشيدة ومساكن وغرف..لكنها مهما علا قدرها وجمالها ومهما تطاول بنيانها وعلوها.. لا تشبه ما في الجنة من مساكن وبنايات إلا في الاسم فقط.

ففي الجنة من سحر المساكن وجمال القصور وتعالي الغرف وتلألؤ الخيام,ما تقر به العين وتسكن إليه النفس وكيف لا وخيامها من لؤلؤ, وقصورها من ذهب وفيها من فاخر الأثاث وكواعب النساء وطيب الشراب ولذيذ الطعام مالا يخطر على بال.

غرف الجنة: وأما غرف الجنة فلا تسل عن قوة بنائها وإحكام أركانها وبهاء منظرها وتلألؤ مظهرها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغائر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم, قالوا: يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال: بلى, والذي نفسي بيده: رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" (البخاري ومسلم)

فتأمل أخي الكريم: في مكان هذه الغرف.. إنها كالكواكب في علوها وتلألئها.. وانسيابها في الفضاء, نعم إنها عالية شامخة.. أعدها الله للمؤمنين لما استعلوا عن الكفر والفجور والفسق.. لما خضعوا لله في الدنيا بفعل الأوامر وترك النواهي, رفع الله قدرهم وأسكنهم في تلك الغرف المتعالية. واقرأ إن شئت- أخي الكريم- قول الله جل وعلا:( لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ) [ الزمر20 ]

ألا يا عين ويحك أسعديني

بغزر الدمع في ظلم الليالي

لعلك في القيامة أن تفوزي

بخير الدار في تلك العلالي

فشمر: يا عبد الله فإن سلعة الله غالية, إن ثمنها تقوى الله وطاعته,وإنها ليسيرة على من يسرها الله عليه ، واستبق هذا الخير العظيم, وهذا النعيم المقيم, فإنه لحمق وغرور, أن يستبدل المرء هذه الدنيا وهذا الخراب! بما عند الله من بديع الغرف الآمنة الهنيئة قال تعالى:( فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ آمِنُونَ) [سبأ37 ]

خيام الجنة: والجنة مساكن تتلألأ.. فكما أن غرفها كالكواكب الغائرة, فكذلك خيامها لآلئ مجوفة.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً, للمؤمن فيها أهلون, يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً" (البخاري و مسلم) ، إنها لؤلؤة واحدة طولها ستون ميلاً.

فتأمل أخي: وانظر كيف سيكون إعجابك بها حين تدخلها.. وكيف تكون نشوتك وسعادتك وأنت ساكنها وحولك الحور العين تستأنس بهن وتسمع غناءهن ولحنهن الأخاذ.. وتنبه- أخي- إلى أن ثمن دخولك هو الإيمان الذي يستلزم الانقياد لله سبحانه بفعل الخيرات وترك المنكرات والعبودية لله وحده,واعلم- أخي الكريم- أن المؤمن لما زهد في الدنيا بقلبه, ولم يزين له حب الشهوات من ذهب وفضة, أثابه الله على ذلك الورع و الزهد بأن أسكنه جنته.

قصور الجنة: أما قصور الجنة فهي من ذهب ولؤلؤ وزبرجد وفضة.. فلا يعلم حسنها وبهاءها إلا الذي خلقها وبناها سبحانه وتعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش, فظننت أني أنا هو. فقلت: ومن هو؟ قالوا عمر بن الخطاب" (الترمذي و قال حسن صحيح) .

أخي الحبيب: بادر بالطاعات قبل فوات الأوان.. واطمع فيما عند الله من جنات ونعيم.. فإنما الدنيا لحظات وثواني.. وإنما أنت عابر سبيل.

تربة الجنة: أما تراب الجنة فهو المسك والزعفران والدرمكة البيضاء (الدقيق الحواري الخالص البياض). فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صياد: " ما تربة الجنة؟ قال: درمكة بيضاء مسك يا أبا القاسم, قال: صدقت" (رواه مسلم) ، وعنه أن ابن الصياد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تربة الجنة. فقال:" درمكة بيضاء مسك خالص" (مسلم) ، وقد تقدم في الحديث أن تربتها الزعفران.

أخي الكريم: إن كنت المحب لهذا العيش الرغيد ولتلك المساكن الطيبة, فاصبر نفسك على طاعة الله, واجتناب محارمه وأداء الصلوات والصيام والقيام في الظلمات..

فما هي إلا ساعة ثم تنقـــضي

ويدرك غب السير من هو صابر

عيون وأنهار الجنة

ولما كانت النفس البشرية تألف المياه والبساتين والأشجار وتسكن إليها فقد زين الله جل وعلا الجنة, وألبسها من بهاء الأشجار وعلوها وبركة الثمار ونموها وجريان الأنهار وسيولها وعذوبة العيون في أركانها,ما تقر به أعين عباد الله الصالحين

عيون الجنة: قال تعالى:( إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) [ الحجر45 ]، وقال سبحانه:(إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً *عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً) [ الإنسان 5-6 ] ، قال بعض السلف: "معهم قضبان من حديد حيثما مالوا مالت معهم" (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح )

أخي الحبيب: ما بالك بقوم سلكوا طريق النجاة.. وتزودوا بالطاعات واتقوا ربهم حق التقاة..فأورثهم الله تلك الجنات, تتفجر عيونها كل حين, تارة تمزج بالكافور فتكون باردة طيبة الرائحة,وأخرى بالزنجبيل فتكون حارة طيبة الرائحة, قال تعالى:

(عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً ) [ الإنسان 17-18 ]

وقال سبحانه:

(إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ *آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ) [ الزاريات 15-16 ]

فأحسن –أخي الكريم-يحسن الله إليك,وصفِّ سعيك إلى الجنة بالصدق والإخلاص والعمل الصالح, يسقيك الله من عيونه وشراب جنته:

صفى المقرب سعيه فصفا له

ذاك الشراب فتلك تصفيتان

وفي الجنة عينان: الأولى: عين الكافور: قال تعالى: ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا *عينا ًيشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً) [ الإنسان 5-6 ] وهذه العين يشرب منها المقربون الماء الخالص.وأما الأبرار فيشربونه ممزوجاً.

الثانية: عين التسنيم: قال تعالى:( إن الأبرار لفي نعيم * على الأرائك ينظرون * تعرف في وجوههم نضرة النعيم *يسقون من رحيق مختوم* ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون* ومزاجه من تسنيم*عينا ًيشرب بها المقربون) [ المطففين 22-28 ]

أنهار الجنة: وبين تلك القصور الذهبية, والخيام البهية تجري أنهار عذبة لذة.. أعدها الله للمؤمنين ونوَّع أجناسها وشرابها, فمنها الماء ومنها العسل ومنها الخمر ومنها اللبن. قال تعالى:( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ) [ محمد 15 ]

فماء الدنيا يأسن ويأجن من طول مكثه.. لكن مياه أنهار الجنة لا تأسن.. ولبن الدنيا تصيبه الحموضة إذا طال مكثه لكن لبن الآخرة لا يتغير طعمه, وخمر الدنيا كريهة المذاق كريهة الرائحة أما خمر الجنة ففيها من اللذة ما يبعث على الشرب, وعسل الدنيا تصيبه الأخلاط فلا يصفو, أما عسل الجنة فصاف لامع طري. فأين هي الدنيا من الآخرة؟ وكيف يحرص عاقل على لذة ناقصة فانية ويترك اللذة الكاملة الباقية؟ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه في إسرائه صلى الله عليه وسلم :" رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان, فقلت: يا جبريل, ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان فنهران في الجنة, وأما الظاهران فالنيل والفرات"(مسلم ) وتأمل- أخي- في هذه الأنهار وما أودع الله فيها من خيرات لم تجر العادة بمثلها في الدنيا. وتأمل فيها وهي تجري في الجنة من غير أخدود, تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار, قال تعالى:

( جنات تجري من تحتها الأنهار) [ البقرة 25 ] ، وقال سبحانه:( تجري تحتها النهار) [ التوبة 100 ] ، وقال سبحانه:( تجري من تحتهم الأنهار) [ الكهف ] ، أما الكوثر فهو نهر من أنهار الجنة أعطاه الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم :(إنا أعطيناك الكوثر ) [ الكوثر 1 ] ، وعن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم :"بينما أنا أسير في الجنة, إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف, فلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك, فإذا طيبه أو طينه مسك أذفر" ( البخاري مع الفتح ) .

واعلم أخي الكريم: أن هذه الأنهار تنساب متفجرة من الأعلى ثم تنحدر في نزول, فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله , ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض, فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة, وفوقه عرش الرحمن, ومنه تفجر أنهار الجنة" ( البخاري ) وأخبر صلى الله عليه وسلم :" إن في الجنة بحر العسل, وبحر الخمر, وبحر اللبن, وبحر الماء,ثم تنشق الأنهار بعد" ( الترمذي وقال حسن صحيح )

فشمر- أخي- عن ساعد الجد فإن الأمر جلل.. إن الجنة حق.. ونعيمها صدق..

درجات الجنة

أخي الكريم: لقد خلق الله الجنة وأورثها عباده الصالحين وجعلهم فيها متفاضلين متفاوتين, ولذلك كانت الجنة درجات يفضل بعضها بعضاَ, وكل ذلك كان فضلاََ من ربك وعدلاَ.. ليشمر ويثابر من اشتاقت نفسه إلى الجنة وعلت همته لأعلى درجاتها, في ذلك النعيم المقيم. قال تعالى:( ومن يأته مؤمناَ قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى) [ طه 75 ] . فالإيمان والعمل الصالح هما طريق الفردوس فكلما كان إيمانك- أخي الكريم- عالياَ ثابتاَ كانت منزلتك رفيعة في تلك الدرجات, وإنما يتفاوت المؤمنون المتقون في ذلك بحسب إيمانهم وتقواهم قال تعالى:( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماَ مدحوراّ*ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراَ*كلاّ نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراّ*انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاّ )[ الإسراء18-21] فهنا بين الله سبحانه أن أهل الآخرة يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا وأن درجات الآخرة أكبر من درجات الدنيا .

واعلم أخي الكريم: أن تفاضل الجنان يشمل التفاضل بين خيراتها من أبنية وعيون وأشجار وفواكه ونساء. قال تعالى:( فبأي آلاء ربكما تكذبان) [ الرحمن ] ، وبعد وصفهما قال سبحانه:( ومن دونهما جنتان) [الرحمن 62 ] ، أي دون الجنتين الأوليتين في الخير والمقام والمنزلة.

فأما عن الفاكهة فقال في الأوليتين:( فيهما من كل فاكهة زوجان) [الرحمن 52 ] ، فذكر أن في كل صنف من الفواكه شكلين. أما في الجنتين الأخريتين فذكر مطلق الفاكهة من غير ذكر الزوجين فقال:( فيهما فاكهة ونخل ورمان) [الرحمن 68 ] ، وأما عن الأثاث فذكر في الأوليتين:( متكئين على فرش بطائنها من إستبرق) [الرحمن 54 ] ، وقال في الأخريتين: ( متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان) [الرحمن 76 ] ولا شك أن الفرش أفضل من الزخرف وأن الإستبرق أفضل من العبقري.

وهكذا الأمر في نسائهما وخضرتهما كما هو ظاهر في الآيات. وما هذا التفاضل إلا تسلية من الله لعباده الصالحين الذين تحملوا مشاق السفر في رحلة الدنيا وصبروا على ما أصابهم من ضر في سبيل الله وحده, وعاشوا بين أهليهم غرباء.. لما كانوا عليه من التمسك بالكتاب والسنة. ومما يدل على تفاضل أهل الجنة ما رواه المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجئ بعدما أدخل أهل الجنة الجنة. فيقال له: ادخل الجنة0 فيقول: أي رب؟ وكيف؟ وقد نزل الناس منازلهم, وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حتى لو “بيضاء”… بإجماع العلماء كذبة أبريل حرام

كتبها moemen ، في 3 أبريل 2009 الساعة: 07:02 ص

حتى لو "بيضاء"… بإجماع العلماء كذبة أبريل حرام

1/4/2009
�تى لو
 

ما أن يأتي شهر ابريل من كل عام ألا وينتشر فيه المقالب وتتنوع فيه أشكال المراوغة والتفنن في أشكال الخداع التي تؤذي مشاعر الناس وتؤرق حياتهم ويمكن أن تؤدي في بعض الأحيان إلى بعض الأمراض والصدمات النفسية نتيجة للانفعالات الشديدة التي يعيش فيها الفرد.

لا نعلم من أين أتت إلينا هذه العادة الكريهة المسماة بـ " كذبة أبريل " ، وقد نهى عنها الله تعالي في عدة مواقع من كتابه الكريم فقال " إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ" ، وحذر منها الرسول الذي لا ينطق عن الهوى ، بل وجعل من يأتي بها فيه خصلة من خصال النفاق فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان"رواه البخاري و مسلم . حيث أنه آسوا مدخل من مداخل باقي الذنوب والآفات .

وإذا ما خاطبت أحد بالكف عن هذه العادة ، تجده يسارع ويقول أنها كذبة بيضاء ، والسؤال هل عندما نهى نبينا عن الكذب ميز بين لون ولون من الكذب كأن قال الكذب الأبيض حلال والألوان الأخرى حرام ، لم يحدد رسولنا الكريم أنواع من الكذب دون غيرها ، أنه صلوات الله عليه لم يحلل الكذب إلا في حالات وهي الحفاظ على النفس والمصالحة بين المتخاصمين والمودة بين الزوجين ، فعن أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحل الكذب إلا في ثلاث : يحدث الرجل امرأته ليرضيها ، والكذب في الحرب ، والكذب ليصلح بين الناس " رواه الترمذي.

هذه هي فقط الحالات التي أجيز فيها الكذب أما أن نستخدمه من باب المزح فقد نهي عنه ولم يروى عن الرسول أنه أتى به في أي صورة ولأي حال فعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: " إِني لأمزح , ولا أَقُولُ إِلا حقا " رواه الطبراني و صححه الألباني .

وبالتالي وبناء على حديث الرسول الكريم لا يجوز الكذب بأي حال من الأحوال وحتى لو كان من باب إسعاد الآخرين أو الترفيه فقد حذر الرسول من ذلك الفعل وجعل البعد عنه من تمام إيمان الفرد ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" : لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاحة والمراء وإن كان صا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb