| حاجة البشرية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم |
|
مرت بالبشرية أحوال غابت فيها الثوابت الشرعية، وانعدمت الضوابط الأخلاقية، وانطلقت الشهوات، وضعف منطق العقل، واستأسد منطق الأنياب والعضلات. فازداد الفقير فقرا. والضعيف ضعفا، كما ازداد الأغنياء غنى والأقوياء قوة. ولم يعد يسمع في الأرض إلا منطق المخلب والناب.
أجد هذا في الأرض، بعد أن أصيب دين المسيح بحادثة خطيرة أعجزته عن أن يقدم للأرض منهجا، ويعلى فيها شريعة. ويحمل الناس على أمر السماء.
ففي سنة 305 م حدثت حادثة عظيمة، وهى اعتلاء النصرانية عرش رومية الوثنية. وكان ذلك بجلوس قسطنطين على سرير الأباطرة سنة 305م؛ فانتصرت فيه النصرانية على الوثنية، ونالت فجأة ما لم تكن تحلم به من ملك عريض، ودولة مترامية الأطراف، وكلمة لا تعلوها كلمة. ولما كان قسطنطين إنما توصل إلى الملك على جسر من أشلاء النصارى وأنهار من دمائهم التي أريقت في الذب عنه والنصر له. عرف لهم الجميل وبذل لهم وجهه، ووطأ لهم أكنافه وقلدهم مفاتيح ملكه.
ولكن انتصر النصارى في ساحة القتال وانهزموا في معترك الأديان، ربحوا ملكا عظيما وخسروا دينا جليلا؛ لأن الوثنية الرومية مسخت دين المسيح، ومسخه أهله، وكان أكثر مسخا له وتحريفا هو قسطنطين الكبير حامى ذمار النصرانية ورافع لوائها([1]). يقول ول ديوراتت في كتابه قصة الحضارة – المجلد السابع: «لما أن فتحت المسيحية رومة، انتقل إلى الدين الجديد أبناء الدين الوثني القديم، فانتقل إليه لقب الحبر الأعظم Pontif وعبادة الأم العظمى وعدد لا يحصى من الأرباب التي بثت الراحة والطمأنينة في النفوس والإحساس بوجود كائنات في كل مكان لا تدركها الحواس. . نقول أن هذه كلها انتقلت إلى المسيحية كما ينتقل دم الأم إلى ولدها. وأسرت رومية الأسيرة فاتحها»([2]). وإذا بهذا الدين الذي جاء منقذا يتحول غريقا، وخاب أمل أهل الأرض في النصرانية، التي تخلت عن رسالتها وتنازلت عن ثوابتها في توحيد الله ورضيت بالوثنية بديلا. وتحول رجال الكنيسة إلى رموز معزولة عن الحياة بعد أن شاعت بينهم المقولة المعروفة: «إعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله». وظهر جليا بأن قيصر هو المسيطر على كل شئ، وأن الله عند الوثنية لم يعد له أدنى سلطان على حياة الناس. وهكذا تحولت الدولة الرومية إلى قوة وثنية جبارة. وزاد خطرها عندما ملكت زمام الأرض بانتصارها على الدولة الفارسية الوثنية المجوسية. التي كانت تشكل نوعا من التوازن بين القوى.
ولم تكن فارس بعبادتها للنار أسعد حظا، من وثنية الروم بل كانت أشقى وأنكى، فالنار لا توحي إلى عبادها شريعة، ولا ترسل رسولا، ولا تعاقب العصاة والمجرمين. وبهذا ترك الناس لأهوائهم شأن المشركين في كل زمان ومكان. وهكذا حُرمت الأمة الفارسية دينا عميقا جامعا يربي النفس ويهذب الخلق ويقمع الشهوات ويحفز على فعل الخيرات. ويكون دستورا للأمة ونظاما للحياة.
وظهر واضحا أن البشرية فقدت ربانها. وغاب عنها النور الذي يهدى، والحادي الذي يرشد إلى الطريق. وأصبحت البشرية تنشد ربانها وتنتظر منقذها، إلى أن أذن الله للأرض بالسعادة فبعث إليها محمدًا صلى الله عليه وسلم فكانت بعثته فتحا للأرض كلها. وإنقاذا للبشرية بأسرها. ورحمة للعالمين ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء: 107). يقول د. بيرون في المؤتمر الدولي الخامس للعلوم التاريخية الذي عقد بمدينة أوسلو في أغسطس سنة 1929م: «إن ظهور الإسلام كان خاتمة العصور القديمة، وبداية إيقاظ الإنسانية في أول عصورها المتوسطة؛ حيث بدأت أوروبا الغربية مدنية جديدة وحياة جديدة يجب معها اعتبار هذا الحادث العظيم هو بداية عصر جديد». ويقول الأستاذ أبو الحسن الندوي مصورا حالة المجتمع البشرى عند بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم «بعث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم والعالم بناء أصيب بزلزال شديد هزه هزا عنيفا؛ فإذا كل شئ فيه في غير محله، نظر إلى العالم بعين الأنبياء فرأى إنسانا قد هانت عليه إنسانيته، رآه يسجد للحجر والشجر، وكل ما لا يملك لنفسه النفع والضرر. رأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان، والخلاعة والفجور إلى حد الاستهتار، وتعاطى الربا إلى حد اغتصاب واستلاب الأموال. ورأى الطمع وشهوة المال إلى حد الجشع والنهامة، ورأى القسوة والظلم إلى حد وأد البنات وقتل الأولاد.
رأى ملوكا اتخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا. ورأى أحبارا ورهبانا أصبحوا أربابا من دون الله، يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله». «رأى المواهب البشرية ضائعة أو زائفة لم ينتفع بها ولم توجه التوجيه الصحيح، فعادت وبالا على أصحابها وعلى الإنسانية. رأى الشجاعة تحولت همجية وفتكا. والجود تبذيرا وإسرافا. والأنفة حمية جاهلية. والذكاء مكر وخديعة، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات والتفنن في الشهوات».
ولأنه كان رسولا نبيا ولم يكن مصلحا اجتماعيا أو حاكما سياسيا؛ فقد هدى بإذن ربه إلى مفتاح قفل الطبيعة البشرية. فلم يشأ أن يعلنها دعوة سياسية.
ولا قومية عربية؛ لأنه لم يبعث لينسخ باطلا بباطل، ويبدل عدوانا بعدوان فيخرج الناس من حكم الفرس والرومان إلى حكم عدنان وقحطان. وإنما أرسل إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. ليهديهم بإذن ربهم إلى صراط مستقيم.
قد علم صلوات الله وسلامه عليه أن القلب هو سيد الجوارح. وأدرك بهداية الله له أن هداية الإنسانية تبدأ من قلبه، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَلا وَإِنَّ فِي الإِنْسَانِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ»([3]).
والقلب المقصود هنا هو باطن الإنسان وكيانه الروحى. هو وجدانه وعقله ومشاعره وإحساسه، ولهذا فقد بدأ معهم بالقرآن المكي يرقق به مشاعرهم ويحيى به ضمائرهم. ويهز به كيانهم. ويعمق به يقينهم وإيمانهم. وكانت البداية في بيت النبوة؛ حيث تلقى الحبيب صلى الله عليه وسلم أمر الله له بالقراءة إيذانا باتصال السماء بالأرض. وبداية لحمل نور الله إلى الناس( يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ )(15) (َهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (16) (سورة المائدة: 15، 16) ونزلت آيات الله تترى، واستيقظت القلوب والأرواح على مشاهد القيامة ومصارع المكذبين وجزاء المؤمنين الموحدين، فكانت للمؤمنين بشرى وللكافرين إنذارا وتحذيرًا. إن أعظم ما يحرص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته هو استيعاب قلوب من يدعوهم، وأن يطمئن إلى صحة هذه القلوب ويقظتها. وأنها مستعدة لأن تنفعل لسماع القرآن انفعالا صادقا عميقا. ولم يعجله عن هذا الهدف شئ، مهما بدا هذا الشئ عظيما وخطيرا. .
فرباهم على قيام الليل وقراءة القرآن وتذوق معانيه والتعرض لنفحاته ولفحاته. وتبشيره وإنذاره. وبين الخوف والرجاء، والانشراح والبكاء. ومشاهد الجنة ومشاهد النار. عاشت قلوب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنها ترى القيامة رأى العين، لقد كانوا جميعا مثل قلب حارثة – الذي سأله نبيه وصفيه صلى الله عليه وسلم: «كيف أصبحت يا حارثة؟، فقال حارثة: أصبحت مؤمنا بالله حقا. قال: ياحارثة انظر ما تقول، وإن لكل قول حقيقة، فما هي حقيقة إيمانك؟ فيقول حارثة: عزفت نفسي عند الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وإلى أهل النار يتضاغون فيها». ويسر النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى من ثمرة تربيته المباركة، فيقول مؤيدًا: «يا حارثة عرفت فالزم»([4]). إنه اليقين الذي جعل الجنة تعيش في ضمائرهم وجعل صورة جهنم لا تغيب عن خواطرهم. وهذا اليقين هو الذي جعل الرجل منهم ينفر لملاقاة أعداء الله. ويجد لذته وسعادته في شدة اللأواء. وعظم البلاء. وإذا حيل بينه وبين ساحة الجهاد بحائل من فقر أو عرض أو مرض ( وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) (التوبة: 92). إنه اليقين الذي جعل رجلا مثل عمير بن الحمام يستطول الحياة حتى يسيغ تمرات في فمه ويقول عندما بشره الرسول بالجنة إن قتل مقبلا غير مدبر: إن حياة حتى أسيغها لطويلة، ثم اندفع يقاتل أعداء الله حتى قتل. وهو اليقين الذي جعل المرأة تقول حين بلغها نبأ قتل زوجها وأولادها وأخيها. «كل خطب دون رسول الله يهونً». وهو اليقين الذي جعل صهيبا ينزل عن ماله وبيته وأهله ليخلص بنفسه مهاجرا إلى الله. تلك كانت حياة الأرض عند بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذه كانت بدايته. دين يتعامل مع الفطرة السوية. مقدرا ضعفها ومعترفا بقصورها وحاجتها إلى التهذيب والتأديب. مرتقيا بها - من حيث هي – إلى مدارج الجمال والكمال. يقول د. روبرت بير جوزيف، أستاذ الفلسفة بالجامعات الفرنسية الذي ألف أكثر من عشرين كتابا في الفلسفة والتوحيد: «اعتنقت الإسلام؛ لأنه الدين الوحيد الذي يجد الإنسان فيه روحه وأشواقه ومستقبله، وهو دين المعرفة؛ لأنه يدعو معتنقيه إلى التزود بالعلم والعمل به. ولا غرو في ذلك؛ فإن أول آية من القرآن الكريم (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) العلق(1) هي التي جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد». ويقول الأستاذ تريتون استاذ الدراسات الشرقية الأفريقية بجامعة لندن: «إن الإسلام يعطى كلا من الدنيا والآخرة حقهما، وفى وسع المسلم أن يعيد النظر في حياته دون أن ينقطع عن الماضى، وله أن يراجع أحكام المعاملات والشريعة؛ لأن باب الاجتهاد لا يزال مفتوحًا. والمسلمون يجتهدون اليوم ليثبتوا أن الإنسانية الصادقة والآداب القديمة والعقل السليم تُلغى أرفع تعبيراتها في شريعة الإسلام وأحكامه، ويسلمون على أن واقعهم اليوم ليس على ما يحبون. وأن الإصلاح ضرورة لا محيص عنها، لكنهم يصرون على أن الإسلام دون غيره هو الذي يصلح لمطالب النوع البشرى». ويقول المستشرق الإنجليزي هاملتون. جب: «إن الإسلام ما زال في قدرته أن يقدم للإنسانية خدمة سامية جليلة، فليست هناك أية هيئة سواه يمكن أن تنجح مثله نجاحا باهرًا في تأليف الأجناس البشرية المتنافرة في جبهة واحدة أساسها المساواة. . فالجامعة الإسلامية العظمى في أفريقيا والهند وأندونيسيا. بل وتلك الجامعة الإسلامية الصغيرة في الصين أو في اليابان، لتبين كلها أن الإسلام ما زال له القدرة على أن يسيطر كليا على أمثال هذه العناصر المختلفة الأجناس والطبقات، فإذا ما وضعت منازعات دول الشرق والغرب موضع الدرس؛ فلابد من الالتجاء إلى الإسلام لحسم النزاع»([5]). ونختم هذا المقال بهذه الشهادة التي يقدمها الكاتب الألماني (ياول شميتز) في كتابه: (الإسلام: قوة الغد العالمية) والذي كتبه في الثلاثينات من القرن الماضي، ينبه قومه إلى مواطن القوة في الإسلام فيقول: «سيعيد التاريخ نفسه مبتدئا من الشرق، عودا على بدء من المنطقة التي قامت فيها القوة العالمية في الصدر الأول للإسلام، وستظهر هذه القوة التي تظهر في تماسك الإسلام ووحدته العسكرية. وستثبت هذه القوة وجودها إذا ما أدرك المسلمون كيفية استخراجها والاستفادة منها»([6]). إن الإسلام بما له من خصائص وسمات تفرد بها عن سائر الأديان والمذاهب والملل. هو المرشح وحده لقيادة الأرض. دون أن يشعر واحد من أهل الأرض جميعا أن الإسلام طامع فيه أو معتد عليه أو يبغى من ورثته نفعا دنيويا في أية صورة من الصور؛ لأن الإسلام منهج الخالق إلى جميع المخلوقين نزل إليهم ليسعدوا وينعموا ولتدوم فيهم كلمة الأمان والرضا والسلام. (الـر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ) أبراهيم(1) ( صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ) (الشورى: 53).
كيف ننتصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لم أستغرب لما صدر عن الصحافة الأوربية من إساءات لمقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بل لا أبالغ إذا قلت إن استغرابي وعجبي كان من ردود الأفعال التي صدرت عن المسلمين!. فقد كشفت عن قدر كبير من السذاجة والغفلة وسوء التقدير، وكأنما القوم كانوا يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم واليوم يكرهونه. أو أنهم كانوا يقدرون مشاعر المسلمين واليوم يهينونها. وكأن أمة الإسلام نسيت قول ربها سبحانه وتعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ) (البقرة: 105)، وكأنهم لم يقرؤوا في يوم من الأيام قوله سبحانه: ( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (البقرة: 109)، أو أنهم لم يسمعوا قط قول ربهم سبحانه:( وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) (البقرة: 120). وإذا كانت الآية الأولى قد أظهرت عمق العداوة التي يكنها أهل الكتاب لهذه الأمة، وكشفت عن خبيئة نفوسهم نحو الإسلام ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، ونبهتنا إلى ما يضمرونه من حقد، وما تنطوي عليه صدورهم من عداوة وكراهية وبغضاء، فإن الآية الثانية قد بينت العلة وراء هذا الحقد وهذه الكراهية، وفسرت ما يقع منهم من عدوان جهنمي همجي كافر. إن هذا كله من أجل إيماننا بهذا الدين، وسعادتنا بهذا النبي الكريم، فهم يحسدوننا على اصطفاء الله لنا لنكون خلفاءه في أرضه، وأمناءه على خلقه، والمصطفون لوراثة الأرض من بعد أن ائتمنهم على قيادة الأرض فخانوا، واستحفظهم على وحيه فحرفوه وبدلوه، وأرسل إليهم الرسل فقتلوهم وعذبوهم وأظهر لهم المعجزات فجحدوا بها، وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم. وأخذ عليهم الميثاق ألا يعبدوا إلا الله فأشركوا به وقالوا على الله قولا عظيما. وكلما رأوا مظاهر عودة المسلمين لإسلامهم، واعتزازهم بدينهم اشتعلت البغضاء في قلوبهم؛ لأن توحيدنا يذكرهم بشركهم، وإيماننا يذكرهم بكفرهم، وطهرنا يذكرهم بنجسهم وانحلالهم. والذي يزيدهم حقدا وحسدا؛ هو شعورهم بالعجز أمام سقوطهم وانحرافهم، فهم يعلمون أنهم ليسوا على شيء؛ لأنهم لم يقيموا في أنفسهم شيئا من أحكام دينهم، ولا حفظوا شيئا من قداسة كتبهم، وإذا حاولوا العودة فلن يجدوا نصوصا محفوظة، ولا وحيا ثابتا ولا منهاجا قويما. ولقد أطلع الله سبحانه وتعالى نبيه على هذه الحقيقة بقوله تعالى لقد يئس هؤلاء المجرمون من الهداية، وأيقنوا بالبوار وسوء القرار، فأخذوا على عاتقهم هدم الإسلام بكل وسيلة، ومن كل طريق. وهذا ما أرشدنا الله سبحانه وتعالى إليه بقوله:( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوَهُمْ وَاقْتُلُوَهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً) (النساء: 89). وهم في سبيل تحقيق هذه الأمنية لا يترددون في أن يجندوا الجنود، ويجيشوا الجيوش، ويحشدوا كل ما لديهم من قوة؛ ليصلوا إلى مرادهم. وما نراه اليوم في أفغانستان وفي العراق، وفي فلسطين أوضح شاهد على هذا الحقد الدفين، وما كنا بحاجة إلى إثبات هذه الحقيقة لو أننا وعينا عن ربنا قوله الحكيم:( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِ |























